يزيد بن محمد الأزدي

488

تاريخ الموصل

--> - فلم أدر ما قال لي فقلت أراجع أمير المؤمنين ، فيقول : أتحجبنى ولا تعلم كلامي ؟ ! ثم أدركني ذهني فبعثت إلى أعرابي كان قد وفد وسألته على الجفلى والنقرى ، فقال الجفلى : جفالة ، والنقرى : ينقر خواصهم فأمرت بالستور فرفعت وبالأبواب ففتحت فدخل الناس على بكرة أبيهم فلم يزل ينظر في المظالم إلى الليل ، فلما تقوض المجلس مثلت بين يديه فقال كأنك تريد أن تذكر شيئا يا علي ، قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، كلمتني بكلام لم أسمعه قبل يومى هذا وخفت مراجعتك فتقول : أتحجبنى وأنت لم تعلم كلامي ؟ ! فبعثت إلى أعرابي كان عندنا ففسر لي الكلام فكافئه عنى يا أمير المؤمنين ، قال : نعم ، مائة ألف درهم تحمل إليه فقلت له : يا أمير المؤمنين إنه أعرابي جلف وفي عشرة آلاف درهم ما أغناه وكفاه فقال ويلك يا علي ، أجود وتبخل قال وحدثني علي بن صالح ، قال : ركب الهادي يوما يريد عيادة أمه الخيزران من علة كانت وجدتها فاعترضه عمر بن بزيع ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، ألا أدلك على وجه هو أعود عليك من هذا ؟ فقال : وما هو يا عمر ، قال : المظالم ، لم تنظر فيها منذ ثلاث ، قال : فأومأ إلى المطرقة أن يميلوا إلى دار المظالم ثم بعث إلى الخيزران بخادم من خدمه يعتذر إليها من تخلفه ، وقال : قل لها إن عمر بن بزيع أخبرنا من حق الله بما هو أوجب علينا من حقك فملنا إليه ونحن عائدون إليك في غد - إن شاء الله - وذكر عن عبد الله بن مالك ، أنه قال : كنت أتولى الشرطة للمهدى وكان المهدى يبعث إلى ندماء الهادي ومغنيه ويأمرني بضربهم ، وكان الهادي يسألني الرفق بهم والترفيه لهم ولا ألتفت إلى ذلك ، وأمضى لما أمرني به المهدى قال : فلما ولى الهادي الخلافة أيقنت بالتلف فبعث إلى يوما فدخلت عليه متكفنا متحنطا ، وإذا هو على كرسي والسيف والنطع بين يديه ، فسلمت فقال لا سلم الله على الآخر تذكر يوم بعثت إليك في أمر الحراني وما أمر أمير المؤمنين به من ضربه وحبسه فلم تجبنى ، وفى فلان وفلان وجعل - يعدد ندماءه - فلم تلتفت إلى قولي ولا أمرى ، قلت : نعم يا أمير المؤمنين أفتأذن لي في استيفاءالحجة ؟ قال : نعم ، قلت : ناشدتك بالله يا أمير المؤمنين أيسرك أنك وليتني ما ولاني أبوك فأمرتنى بأمر فبعث إلى بعض بنيك بأمر يخالف به أمرك فاتبعت أمره وعصيت أمرك ؟ قال : لا قلت : فكذلك أنا لك وكذا كنت لأبيك ، فاستدنانى فقبلت يديه ، فأمر بخلع فصبت على وقال قد وليتك ما كنت تتولاه فامض راشدا ، فخرجت من عنده فصرت إلى منزلي مفكرا في أمرى وأمره ، وقلت : حدث يشرب والقوم الذين عصيته في أمرهم ندماؤه ووزراؤه وكتابه ، فكأني بهم حين يغلب عليهم الشراب قد أزالوا رأيه في ، وحملوه من أمرى على ما كنت أكرهه وأتخوفه ، قال : فإني لجالس وبين يدي بنية لي في وقتي ذلك والكانون بين يدي ورقاق أشطره بكامخ وأسخنه وأضعه للصبية وإذا ضجة عظيمة حتى توهمت أن الدنيا قد اقتلعت وتزلزلت بوقع الحوافر وكثرة الضوضاء ، فقلت هاه كان والله ما ظننت ووافانى من أمره ما تخوفت ، فإذا الباب قد فتح ، وإذا الخدم قد دخلوا ، وإذا أمير المؤمنين الهادي على حمار في وسطهم فلما رأيته وثبت عن مجلسي مبادرا فقبلت يده ورجله وحافر حماره فقال لي : يا عبد الله إني فكرت في أمرك ، فقلت : يسبق إلى قلبك أنى إذا شربت وحولى أعداؤك أزالوا ما حسن من رأيي فيك أقلقك وأوحشك فصرت إلى منزلك لأونسك وأعلمك أن السخيمة قد زالت عن قلبي لك ، فهات فأطعمني مما كنت تأكل ، وافعل فيه ما كنت تفعل لتعلم أنى قد تحرمت بطعامك وأنست بمنزلك فيزول خوفك ووحشتك ، فأدنيت إليه ذلك الرقاق والسكرجة التي فيها الكامخ فأكل منها ، ثم قال : هاتوا الزلة التي أزللتها لعبد الله من مجلسي ، فأدخلت إلى أربعمائة بغل موقرة دراهم وقال هذه زلتك فاستعن بها على أمرك ، واحفظ لي هذه البغال -